فخر الدين الرازي

314

تفسير الرازي

جاء يرشدهم إلى الحق ويعلمهم الشريعة ، وهو عيسى يجيء بعد الصلب ؟ نقول : ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئاً من الشريعة ، وما علمهم شيئاً من الأحكام ، وما لبث عندهم إلا لحظة ، وما تكلم إلا قليلاً ، مثل أنه قال : " أنا المسيح فلا تظنوني ميتاً ، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم ، وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم " فهذا تمام الكلام ، وقوله تعالى : * ( فلما جاءهم بالبينات ) * قيل : هو عيسى ، وقيل : هو محمد ، ويدل على أن الذي جاءهم بالبينات جاءهم بالمعجزات والبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به من عند الله ، وقوله تعالى : * ( هذا سحر مبين ) * أي ساحر مبين . وقوله : * ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ) * أي من أقبح ظلماً ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على الله الكذب وأنهم قد علموا أن ما نالوه من نعمة وكرامة فإنما نالوه من الله تعالى ، ثم كفروا به وكذبوا على الله وعلى رسوله : * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * أي لا يوافقهم الله للطاعة عقوبة لهم . وفي الآية بحث : وهو أن يقال : بم انتصب * ( مصدقاً ) * و * ( مبشراً ) * أبما في الرسول من معنى الإرسال أم * ( إليكم ) * ؟ نقول : بل بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول . ثم قال تعالى : * ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ باِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) * . * ( ليطفئوا ) * أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيداً له لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في لا أباً لك ، تأكيداً لمعنى الإضافة في أباك ، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم ، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن : * ( هذا سحر ) * ( الصف : 6 ) مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ، كذا ذكره في الكشاف ، وقوله : * ( والله متم نوره ) * قرىء بكسر الراء على الإضافة ، والأصل هو التنوين ، قال ابن عباس : يظهر دينه ، وقال صاحب الكشاف : متم الحق ومبلغه غايته ، وقيل : دين الله ، وكتاب الله ، ورسول الله ، وكل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار وثانيها : أن نور الله ساطع أبداً وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلاً وهو الحضرة القدسية ، وكل واحد من الثلاثة كذلك وثالثها : أن النور نحو العلم ، والظلمة نحو الجهل ، أو النور الإيمان يخرجهم من